مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

خواطر قصصية (6)

 

جمعهم طعام العشاء، بسيط قدر إمكاناتهم، لكن أحدًا منهم لم يمد يده، رغم الجوع الذي يقرص بطونهم جميعًا.
 كانت أعينهم معلقة بذلك الجراب البني الطويل، المعلق بيد والدهم، كان يشبه جعبة الحاوي، مربوط العنق بعشرات اللفات، حتى تشقق غلافه الجلدي كأنه يخفي سرًا أكبر من أن يُفك بسهولة.
وجده والدهم بجوار سكة القطار القديمة.
قال .. «لن نعرف ما بداخله حتى ننتهي من العشاء».
لم يعترض أحد.
لكنهم جميعًا غادروا المائدة بخيالهم.
الأم رأت في لحظات بيتًا جديدًا؛ أثاثًا يليق بها، ثلاجة لا تصدر أنينًا كلما أغلقت بابها، تلفازًا يشبه ذلك الذي عند الجيران.
الابن الأكبر رأى بيده تذكرة سفر إلى السعودية، كما حدث مع من سبقوه، رأى نفسه عائدا محملًا بما يكفي ليغير حال الأسرة.
الابنة الكبرى لم ترَ سوى جهازها؛ ذلك الحلم الذي تعرف أنه قد يستغرق سنوات حتى يكتمل، الابنة الوسطى، رأت نفسها أمام المرآة، بثياب جديدة، ومظهر أكثر جمالًا، تنفق بلا حساب، حتى الأب، الذي كان يحاول أن يبدو أكثرهم اتزانًا، وجد نفسه للحظات يفكر فيما يمكن أن يفعله المال إن جاء.
ساد الصمت.
لم يعد أحد يسمع صوت الملاعق.
كان كل واحد منهم يصغي إلى دقات قلبه، حتى خُيّل إليهم أنهم يسمعون دقات قلوبهم.
وأخيرًا، مد الأب يده.
فك اللفة الأولى...
ثم الثانية...
ثم الثالثة.
اقتربت الوجوه.
جحظت القلوب قبل الأعين. انفتح الجراب أخيرًا، ظل الجميع صامتين.
لم يكن ذهبًا.
ولا نقودًا.
ولا تذكرة سفر.
ولا شيئًا مما تخيلوه.
كان بداخله مزمار بلدي قديم.
حدقوا فيه طويلًا.
مزمار فقط...
ينقصه ثعبان الحاوي.
ظلوا ينظرون إليه طويلًا، كأنهم ينتظرون أن يخرج منه شيء آخر؛ معجزة صغيرة تعيد إليهم الأحلام التي عاشوها منذ دقائق.
لكن الجراب قال كلمته. مزمار، ينقصه ثعبان الحاوي.
عاد الصمت إلى المائدة، أثقل مما كان.
مد الأب يده إلى رغيف الخبز، ثم توقف لحظة، ونظر إلى الجراب.
لأول مرة فهموا أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى كنز كي يحلم، يكفيه أحيانًا جراب مغلق، أو باب موارب، أو خبر لم يكتمل.
ابتسم الأب ابتسامة باهتة، وقسّم الرغيف بينهم.
في تلك الليلة، كان أكثر ما يؤلمهم أنهم، ولو لدقائق قليلة، صدّقوا أن الحياة يمكن أن تمنحهم فجأة ما عجزت عن منحه لهم طوال السنين.
أما المزمار، ظل صامتًا بلا لحن؛ فقد عرف الجميع أن بعض الأحلام لا تحتاج إلى من يعزف عليها... يكفي أن نفتح لها جرابًا مغلقًا، ثم نتركها تموت فيه.